السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
40
مختصر الميزان في تفسير القرآن
إذ عرفت ذلك علمت أنه يرد عليه أولا : أن ما ذكر من معنى كمال الدين لا يصدق عليه قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وقد مر بيانه . وثانيا : أنه كيف يمكن ان يعد اللّه سبحانه الدين بصورته التي كان يتراءى عليها كاملا وينسبه إلى نفسه امتنانا بمجرد خلوّ الأرض من ظاهر المشركين ، وكون المجتمع على ظاهر الاسلام فارغا من أعدائهم المشركين ، وفيهم من هو أشد من المشركين إضرارا وإفسادا ، وهم المنافقون على ما كانوا عليه من المجتمعات السرية والتسرب في داخل المسلمين ، وإفساد الحال ، وتقليب الأمور ، والدس في الدين ، وإلقاء الشبه ، فقد كان لهم نبأ عظيم تعرّض لذلك آيات جمّة من القرآن كسورة المنافقين وما في سورة البقرة والنساء والمائدة والأنفال والبراءة والأحزاب وغيرها . فليت شعري أين صار جمعهم ؟ وكيف خمدت أنفاسهم ؟ وعلى أي طريق بطل كيدهم وزهق باطلهم ؟ وكيف يصح مع وجودهم أن يمتن اللّه يومئذ على المسلمين بإكمال ظاهر دينهم ، وإتمام ظاهر النعمة عليهم ، والرضا بظاهر الاسلام بمجرد أن دفع من مكة أعداءهم من المسلمين ، والمنافقون أعدى منهم وأعظم خطرا وأمرّ أثرا ! وتصديق ذلك قوله تعالى يخاطب نبيه فيهم : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ( المنافقون / 4 ) . وكيف يمتن اللّه سبحانه ويصف بالكمال ظاهر دين هذا باطنه ، أو يذكر نعمه بالتمام وهي مشوبة بالنقمة ، أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه ! وقد قال تعالى وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( الكهف / 51 ) . وقال في المنافقين : - ولم يرد إلا دينهم - فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( البراءة / 96 ) . والآية بعد هذا كله مطلقة لم تقيّد شيئا من الإكمال والاتمام والرضا ولا الدين والاسلام والنعمة بجهة دون جهة . فإن قلت : الآية - كما تقدمت الإشارة إليه - إنجاز للوعد الذي يشتمل عليه قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ